الشيخ محمد علي طه الدرة
252
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
أتجهز معهم ، فأرجع ولم أقض شيئا ، وأقول في نفسي : أنا قادر على ذلك إذا أردت ، ولم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد ، وأصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غاديا والمسلمون معه . ولم أقض من جهازي شيئا ، ثم غدوت فرجعت ، ولم أقض شيئا . فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا ، وتفارط الغزو ، فهممت أن أرتحل فأدركهم ، فيا ليتني فعلت ، ثم لم يقدّر لي ذلك ، وطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحزنني أني لا أرى لي أسوة ، إلا رجلا مغموضا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر اللّه من الضعفاء ، ولم يذكرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بلغ تبوك ، فقال ، وهو جالس في القوم في تبوك : « ما فعل كعب بن مالك ؟ » . فقال رجل من بني سلمة : يا رسول اللّه ! حبسه برداه والنظر في عطفيه . فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت ! واللّه يا رسول اللّه ما علمنا عليه إلا خيرا ، فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبينما هو على ذلك ، فرأى رجلا مبيضا يزول به السراب ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كن أبا خيئمة » . فإذا هو أبو خيئمة الأنصاري ، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون ، الآية رقم [ 79 ] قال كعب : فلما بلغني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثّي ، فطفقت أتذكر الكذب ، وأقول : بم أخرج من سخطه غدا ؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد ظل قادما راح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه ، وصبّح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قادما » . وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون ، فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم علانيتهم ، وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه عز وجل ، حتى جئت ، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ، ثم قال : ( تعال ) فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : ( ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ ) قلت : يا رسول اللّه ، إني واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا ، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ، ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن اللّه أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه ، إني لأرجو فيه عقبى اللّه عز وجل ، واللّه ما كان لي من عذر ، ما كنت قط أقوى ، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي اللّه فيك ! » . ، فقمت ، وثار رجال من بني سلمة ، فاتبعوني ، فقالوا : واللّه ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا ، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بما اعتذر إليه المخلفون ، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لك ، قال : فو اللّه ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأكذب نفسي ، قال : ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم لقيه معك رجلان ، قالا مثل ما قلت ، وقيل لهما ما قيل لك ، قال ، قلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن ربيعة العامري ، وهلال بن أمية الواقفي .